بقلم: محمد توفيق الإندونيسي
فإن العلم أنفس ما يرحل إليه، وأثمن ما يستفرغ له الجهد وأغلى ما يعصر فيه العرق. فهو المصحح لهدف حياة الإنسان والمؤسس
لخطوات مسيره والمحقق له استقامة مستقبله والحارس له دينه وأهله عرضه. فقد قال صلى الله عليه وسلم في فضل الضرب في طريقه (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة) وفي رواية (من سلك طريقا يطلب فيه علما). وقال صلواة الله وسلامه عليه لأبي ذر رضي الله عنه (يا أبا ذر لأن تغدو لتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي ألف ركعة تطوعا) وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فرأى مجلسين أحدهما يدعون الله ويرغبون إليه والثاني يعلمون الناس فقال: أما هؤلاء فيسألون الله إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس وإنما بعثت معلما ثم عدل إليهم.

وبالعلم تميز العلماء عن الجهلاء، وتسامى الأعلام على العوام، قال تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) وقال المصطفى عليه الصلاة والسلام (إن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذه بحظ وافر) وقال (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) ولعل الآية التي أشارت إلى رفعة قدر العلم والعلماء معا قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).
ومما لا جدوى أن أطيل الحديث عن فضل العلم والعلماء، إذ الأمر أوضح من أن يفصّل وأبين من أن يطوّل، وقد تكرر له حديث الأئمة في ندواتهم ومحاضراتهم ومنشوراتهم وكتبهم وحلقاتهم. وإنما كان الذي حلّ فيه نظري هو الإجابة عن سؤال : ما هو هذا العلم الذي يعلي بقدر الإنسان؟ وكيف حقيقته؟ وما المعالم التي يعرف بها الجماهير بأنه هو؟ أهو تلكم الثقافة أو المعلومات التي كتبت فنشرت وطرحت فسجلت أم هو ذلك النور الذي قذف الله في القلوب فخافت وخشيت؟.
هذا هو موضوع حديثي أرفعه على سطح العالم الإسلامي ليكون نقدا بناء يأمل من ورائه انبهار مستقبل الأمة. وهو معدود من باكورة أعمالي في ميدان البحث إلا أن أملي فيه عظيم. عسى أن أكون أنا شخصيا أول من يصيبه هذا النقد.
الداء الذي أراه والدواء الذي أقدّمه
تداول على ألسنة القدماء من أئمة الإسلام استعمال "كلمة العلم" في مناسبات شتى، كتعريفهم لفن من الفنون الإسلامية مثل الحديث والتفسير والفقه والنحو، وبيان حقيقة العلم، وآداب طالبيه، والتأدب مع أهله ونحو ذلك. في حين لا يعرف منهم استعمال كلمة "الثقافة" في أيّ من تلك المناسبات.